إيران ولغز انتقائية حقوق الإنسان! 542

إيران ولغز انتقائية حقوق الإنسان!

ربما يمكن القول إن أهم هيئة تنفيذية وإشرافية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة كانت لجنة حقوق الإنسان، التي أُنشئت استنادًا إلى المادة 68 من ميثاق الأمم المتحدة والقرار رقم 5 الصادر عام 1946 من المجلس الاقتصادي والاجتماعي. لقد انحرفت هذه المؤسسة عن مسارها وأصبحت مُسيّسة للغاية، بل تحولت إلى منبر يتآمر فيه منتهكو حقوق الإنسان للتستر على أعمال بعضهم البعض. لذلك في عام 2005، وبناءً على اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك (كوفي عنان) تم حلها وحلّ محلها مجلس حقوق الإنسان.


على مر السنين أظهر مجلس حقوق الإنسان أيضًا، شأنه شأن مؤسسات أخرى، أنه يخدم مصالح الدول الغربية النافذة.ويتجلى ذلك في قرار مجلس حقوق الإنسان الأخير بشأن الأحداث الأخيرة في إيران والاحتجاجات المدنية السلمية التي تحولت إلى حرب أهلية بدعوة منظمة من الكيان الصهيوني الغربي. يُظهر هذا أن مجلس حقوق الإنسان أداة في يد الدول المهيمنة والغربية لتحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.


في حين أن هذه الدول نفسها ومجلس حقوق الإنسان لم تُبدِ أي رد فعل على عدوان الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على إيران، وفرض حرب استمرت اثني عشر يومًا وأدت إلى مقتل 1200 إيراني (مدنيين ونساء وأطفال). يُظهر هذا تناقضًا صارخًا في مواقف مجلس حقوق الإنسان، إذ أن قضايا مثل الضغط السياسي والردع والعقوبات أدت عمليًا إلى انتهاك الحقوق الأساسية للشعب الإيراني في الحياة والكرامة والصحة، إلا أن هذه القضايا لا تُمثل أهمية بالنسبة للمجلس. لذلك شككت إيران في شرعية القرار، وقالت إن الدافع وراءه ليس قضايا حقوق الإنسان بل التدخل السياسي والخارجي وانتهاك السيادة الوطنية الإيرانية.


الحجة الرئيسية هي أن الدول التي تفرض عقوبات لا إنسانية على شعوبها وتلتزم الصمت حيال هجمات الكيان الإسرائيلي وخسائره البشرية لا يُمكن أن تكون مدافعة عن حقوق الإنسان؛ بل إن حقوق الإنسان بالنسبة لها اختيارية.


تظهر تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية مرموقة، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أن استجابة المجتمع الدولي لانتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما في النزاعات بمنطقة غرب آسيا، غالبًا ما تفتقر إلى معيار موحد وغير تمييزي. وقد أكدت هذه المنظمات مرارًا وتكرارًا أن بعض حالات انتهاكات حقوق الإنسان تُدان بسرعة وبشدة، بينما تُتجاهل حالات مماثلة أو حتى أكثر انتشارًا، أو تُقابل باستجابة ضعيفة وغير فعّالة وذلك لاعتبارات سياسية أو تحالفات استراتيجية أو مصالح جيوسياسية. وتُثير هذه التقارير مفهوم "الإنفاذ الانتقائي لحقوق الإنسان" باعتباره أحد التحديات الخطيرة التي تواجه النظام الدولي لحقوق الإنسان؛ وهو وضع تُفسح فيه القرارات السياسية المجال أمام المعايير القانونية الثابتة. وقد حذرت منظمات حقوق الإنسان من أن هذه الازدواجية في المعايير لا تُقوّض ثقة الجمهور في الآليات الدولية فحسب، بل تُقوّض أيضًا المبدأ الأساسي المتمثل في عالمية حقوق الإنسان والمساواة بينها.


وفي نزاعات مثل فلسطين واليمن وسوريا وغيرها، تُظهر هذه التقارير أن استجابة الدول القوية والمؤسسات الدولية لا تتناسب بالضرورة مع خطورة الانتهاكات، وأن الضحايا المدنيين يُحرمون في كثير من الأحيان من الحماية القانونية الفعّالة. في نظر هذه المنظمات، فإن استمرار هذا المعيار المزدوج يحول حقوق الإنسان من نظام معياري عالمي إلى أداة سياسية، ويؤكد أنه بدون القضاء على النهج الانتقائي سيواجه نظام حقوق الإنسان الدولي أزمة شرعية.[1]


يمكن ملاحظة الانتقائية في التعامل مع حقوق الإنسان حتى داخل المجتمعات الغربية وخاصة الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة نفسها هي أكبر منتهك لحقوق الإنسان، وداعمة وراعية للجماعات الإرهابية في العالم، بما في ذلك داعش ووكالة المخابرات المركزية والموساد، وهما قطبا التجسس والإرهاب وانعدام الأمن. لطالما كانت هذه الدولة القوة الدافعة وراء العمليات الإرهابية وجرائم حقوق الإنسان في منطقة غرب آسيا، لكنها الآن تدافع عن مجرمين دعماً للنظام المهيمن، حوّلوا الاحتجاجات المدنية السلمية في إيران إلى حرب أهلية وأراقوا دماء الأبرياء.


وفي إطار الانتقائية في التعامل مع حقوق الإنسان، يمكن تفسير معايير حقوق الإنسان المحلية، كحرية التعبير والتجمع والاحتجاج،[2] تفسيراً مختلفاً تماماً. فعلى سبيل المثال، يُسمح للشرطة الأمريكية بقتل المتظاهرين أو المتهمين عندما تشعر بالتهديد، حتى لو لم تكن متأكدة وحتى لو ثبت خطئها، لا تُدان بينما يُقتل أفراد الشرطة الإيرانية ويُحرقون بأبشع الطرق على أيدي مثيري الشغب والمجرمين الذين تسللوا إلى تجمعات المتظاهرين، ومع ذلك يُتهمون من قبل مجلس حقوق الإنسان. هذه هي المعايير المزدوجة وغير المتكافئة والانتقائية لحقوق الإنسان في الغرب.



حكيمة زعيم باشي



لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال