الإحتجاج المؤسسي صوت الشعب من أجل الإصلاح! 478

الإحتجاج المؤسسي صوت الشعب من أجل الإصلاح!

في البنية السياسية لأوروبا تُعتبر الاحتجاجات والإضرابات الاقتصادية، مؤسسية ومتوافقة مع الحفاظ على النظام السياسي. في الواقع لا تُعدّ هذه الاحتجاجات دليلاً على ضعف النظام أو انهياره، بل هي عاملٌ هام في إعادة توزيع رأس المال في المجتمع الليبرالي الأوروبي المتناقض والمتصارع. تُعرَّف هذه التحركات ضمن إطار التفاعلات المؤسسية والقانونية للحكومات الأوروبية، وهي جزءٌ أساسي من الحوار الاجتماعي في المجتمعات الأوروبية. في هذا السياق يمكن دراسة الاحتجاجات في فرنسا أو احتجاجات المزارعين الأوروبيين التي امتدت من بروكسل إلى برلين. كما تندرج الإضرابات الواسعة النطاق للنقابات العمالية في بريطانيا ضمن هذا الإطار. يمنع هذا المنظور اعتبار الاحتجاجات في أوروبا أزمة أمنية تسعى إلى تغيير النظام السياسي أو هدمه. على العكس، يُفسّرها النظام السياسي على أنها عملية ديمقراطية ضمن إطار مؤسسي لا يتطلب وجود قوات أمنية أو استخدام القوة المفرطة.


الاحتجاجات المؤسسية صوت الشعب من أجل الإصلاح!

في الحكومات الأوروبية تُعدّ الاحتجاجات الاقتصادية ظاهرة دائمة وطبيعية، لا تُفضي عادةً إلى أزمة أمنية، كما هو الحال في فرنسا. لقد أصبحت الاحتجاجات جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس في القارة الأوروبية. وتُشكّل معارضة الشعب المتجذّرة عادةً في الصراعات الطبقية وعدم المساواة في توزيع الموارد، جزءًا من الآليات الديمقراطية المُحدّدة في الهيكل المؤسسي الأوروبي للتعبير عن المطالب. في الواقع تُعتبر الدعوات للاحتجاج والإضرابات أداة تفاوض مشروعة للحصول على مزيد من التنازلات من صاحب العمل أو الحكومة.


ومن القضايا المهمة المتعلقة بالاحتجاجات في أوروبا كيفية تنفيذها ووجود آلية قانونية لها. تُعلن النقابات العمالية مُسبقًا عن يوم إضرابها أو تنظيمها للمظاهرات، وتُحدّد مسارات المسيرات، وتُنفّذ احتجاجاتها تحت إشراف الشرطة. يُظهر هذا هندسة الغضب والسخط في الأنظمة السياسية الأوروبية. وفي هذا السياق اعتُبرت مساحة الحوار والضغط المدني أداةً مهمةً من قِبل الحكومات. باختصار، يسعى المتظاهرون إلى الحفاظ على مستوى معيشتهم وقدرتهم الشرائية، ويتمثل تعريف الاحتجاج في أشكاله التي تنفذها النقابات في الحد من التناقض الهيكلي في توزيع الثروة في الدول الأوروبية[1].


إضافةً إلى ذلك، ينبغي إيلاء اهتمام خاص للدور الهام الذي تضطلع به النقابات العمالية. فالنقابات بمثابة صمام أمان هام في البنية المؤسسية للحكم. ومن خلال إدارة الغضب الشعبي وتحويله إلى مطالب قابلة للتفاوض، تمنع النقابات نشوب أزمة. إن تحويل الغضب والاستياء إلى مطالب اقتصادية قابلة للتفاوض في الغالب، يُمكّن الحكومات وأصحاب رؤوس الأموال من التفاوض ضمن النظام السياسي، وفقًا لاحتياجات هذا النظام كما حدث بعد الاحتجاجات الواسعة النطاق للمزارعين الأوروبيين ضد تعديلات قوانين الاتحاد الأوروبي، وتراجع النقابات عن بعض مطالبها. في هذا السياق تسعى النقابات جاهدةً لضمان عدم انحراف الاحتجاجات عن المسار القانوني، وعدم تحولها إلى أعمال شغب لأنه في حال انحرافها عن القوانين ستتضاءل قدرتها التفاوضية وهو ما لا يصب في مصلحتها أو مصلحة أعضائها.[2]


بالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الاحتجاج في الشوارع مقبول في الثقافة الأوروبية. إذ يُنظر إلى الشارع باعتباره الركن الثالث للبرلمان، ويُولى اهتمامًا خاصًا له لاعتقادهم بأنه يصب في مصلحة البنية السياسية التي تُفضي إلى البقاء والاستقرار. وقد أدى هذا المنظور إلى استخدام الشارع كأداة للإصلاح القانوني، وآلية لمراجعة قرارات المشرعين لضمان عدم المبالغة فيها. في الواقع يطرح الشارع أمام صانعي السياسات سؤالًا هامًا: هل يستحق الأمر تحمل هذه التكلفة؟ في هذا السياق، تُعدّل القرارات وتُراعى المصلحة العامة. وهذا يعني تنفيذ قرارات تُحقق أقصى قدر من المصالح لكلا الطرفين. لذا فإن أسلوب إدارة الاحتجاجات ودور النقابات يمنعان بشكل فعال تحول المظاهرات الاقتصادية إلى أعمال شغب أو أضرار هيكلية. حتى في أوقات الأزمات الاقتصادية تُعد المظاهرات عادةً أدوات سلمية تُمكّن المجتمع من التعبير عن آرائه قانونيًا وعلنيًا في الركن الثالث للبرلمان، دون إلحاق ضرر جوهري بالبنى الاجتماعية والسياسية. ويمكن القول إن الاحتجاج المدني يُعد أحد مؤشرات النضج الاجتماعي والسياسي في الدول الأوروبية.


لذا لا يُنظر إلى الاحتجاجات الاقتصادية في أوروبا على أنها أزمة أمنية، بل كجزء مؤسسي وروتيني من التفاعل بين الدولة والسوق والمجتمع المدني. وتلعب هذه الاحتجاجات بطابعها السلمي والقانوني وتنسيقها مع النقابات العمالية، دورًا هامًا في إصلاح السياسات الاقتصادية. وتُخطط الاحتجاجات في الغالب للحفاظ على النظام الاجتماعي وتحسينه بما يتماشى مع مصالح الأغلبية، لا لتقويضه. وبالتالي يمكن القول إن الاحتجاجات الاقتصادية في أوروبا أداة مشروعة وروتينية لصنع السياسات الاقتصادية وليست تهديدًا للأمن القومي أو البنية السياسية بل إن مختلف الجماعات والنقابات تمكنت من تعريف الاحتجاجات كمسألة مؤسسية في الدولة والثقافة الاجتماعية لبلدانها.




محمد مهدي إسماعيل خانيان


لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال