التطبيع عبر الاتفاقيات الاستراتيجية بين سورية والسعودية 9

التطبيع عبر الاتفاقيات الاستراتيجية بين سورية والسعودية

لطالما كانت العلاقات السورية السعودية محط اهتمام الدولتين طيلة الفترات السابقة ابتداءاً من فترة السبعينات من القرن الماضي وحتى بداية تدهور هذه العلاقة مع اندلاع الأحداث في سورية تزامناً مع ماسميَ بالربيع العربي، وبعد التغيرات التي حصلت في سورية وسقوط نظام الأسد الذي كانت تعارضه السعودية، بدأت تعود تلك العلاقة القوية إلى سابق عهدها، حيث شهدت العاصمة دمشق في 7السابع من شباط الشهر الحالي، حدثًا هامًا تمثل في توقيع دمشق والرياض مجموعة من الاتفاقيات الاستثمارية والاستراتيجية التي تضع العلاقات بين البلدين في مسار جديد من التعاون السياسي والاقتصادي المتكامل، وقد شملت هذه الاتفاقيات قطاعات حيوية مثل الطاقة والطيران والاتصالات والبنية التحتية والمياه، في ما وصفته وكالات إعلامية كثيرة وشخصيات مسؤولة بأنها “حزمة استثمارية ضخمة من السعودية في سورية” شملت قطاعات حيوية هامة كالطاقة والطيران والعقارات والاتصالات بهدف دعم سورية الجديدة.


وعقب مراسم توقيع تلك الاتفاقيات والتي جرت بقصر الشعب بالعاصمة السورية، دمشق كشف وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، في مقابلة مع صحيفة "الشرق" السعودية، أن الاتفاقيات الاستثمارية الموقعة اليوم من المتوقع أن تبلغ قيمتها نحو 20 مليار ريال (نحو 5.3 مليارات دولار).[1]


دور السعودية في تطبيع السياسة الخارجية لدمشق

لقد أدركت دمشق خلال المرحلة الجديدة أن إبرام اتفاقيات إقليمية هامة لا يتم بمعزل عن الاعتبارات الغربية، ويمكن تحليل هذه الاتفاقية في هذا السياق. حيث تعد هذه الخطوة ضمن إطار "التطبيع السياسي المنظم"، إذ تختار سورية توقيع اتفاقيات استراتيجية اقتصادية قبل أي انفتاح سياسي مباشر أو غربي. وفي ظل السلطة الحاكمة الحالية باتت تُدرك دمشق أن فتح قنوات العلاقات الدولية لا يكون بمعزل عن الرضا الغربي أو الأمريكي بالتحديد، وحكماً عبر خطوات مدروسة تراعي المخاوف الأمريكية وتحافظ على مصالحها الوطنية.


ومن خلال ماقاله رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي عن مستوى العلاقة التي تحظى باحترام متبادل بين الطرفين: "أن هذه الاتفاقيات تهدف إلى تعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات وتطوير منظومات الربط الرقمي ورسم ملامح مرحلة جديدة من الشراكة تقوم على الثقة المتبادلة والاحترام". نرى أن حكومة الشرع المؤقتة تحاول أن تقدم نموذجًا يوازن بين استعادة سورية دورها الإقليمي واحترام المتطلبات الإقليمية بهدف استقرار المنطقة وعدم استفزاز القوى الدولية، ما يجعل عودتها إلى المجتمع الدولي "مقبولة ولكن محسوبة" بعيدًا عن التوترات الحادة التي كانت سائدة في فترة الحرب وما قبلها.

بالطبع لايخفى دور السعودية الداعم لتطبيع العلاقات بين السلطة الحالية وباقي دول العالم العربي والغربي، وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والذي برز بشكل واضح من خلال وساطتها مع الرئيس ترامب لإزالة العقوبات المفروضة خلال فترة الحرب، وقد أدى ذلك لدخول سورية مسار التطبيع مع معظم الدول الغربية، فقد قدمت السعودية نفسها كضامن سياسي قادر على تلطيف الحساسيات الدولية الموجودة تجاه سورية.


الدبلوماسية الإقتصادية

في الحقيقة لقد ساهم موقف الرياض في تخفيف المخاوف الغربية من أجل معالجة الملفات الاقتصادية والتنموية التي تشكّل خطوة أساسية لإعادة الاندماج الدبلوماسي، وهذا في صريح العبارة يفتح النقاش أمام نفوذ جديد سيغزو المنطقة قادم من الغرب لقاء مصالح واستثمارات ذات طابع جديد تحاول تبيض صفحته السلطة الجديدة مقابل دعم شرعية الحكم.


ومن الملاحظ ان النشاط الإعلامي بشقيه المحلي والخارجي يصب في تعزيز الحالة السورية في ظل الدبلوماسية الجديدة والمنفتحة على الخارج أكثر من الداخل، وتعتبر هذه الطرق السياسية في عالم الاقتصاد تمهيداً لفتح أبواب واسعة أمام التطور الإقتصادي المنشود. إن الدبلوماسية الإقتصادية التي تمارسها السعودية في تعاملاتها الإقتصادية تعطي دافعاً قوياً بالتوازي لجلب الاستثمار الى سورية.


التطبيع عبر بوابة التعاون الاقتصادي

في الواقع إن التركيز على المصالح الاقتصادية يعد محورًا أساسيًا في هذه الاتفاقيات بحيث يتم التعاون بين البلدين عبر مشاريع ملموسة عاجلة تُظهِر جدوى إعادة الانخراط السوري في الفضاء الاقتصادي العربي والدولي، ولابد لنا أن نضيء على الاتفاقيات الاقتصادية التي تم التوقيع عليها وماهيتها ومن هي الشركات التي ستنفذ تلك المشاريع :


١- الاتفاق على إنشاء شركة طيران مشتركة مع الناقل السعودي "Flynas" بهدف تشغيل خطوط جوية تربط سورية بوجهات إقليمية ودولية، وكذلك تطوير مطار حلب الدولي لاستيعاب ما يصل إلى 12 مليون مسافر سنويًا، في مؤشر على توسيع بوابات الاتصال والمواصلات بين سورية والعالم.


٢- مشروع “SilkLink” للاتصالات الذي أُعلن عنه ضمن الاتفاقيات، ويهدف إلى تطوير البنية التحتية للاتصالات وربط سورية سلكيًا وإلكترونيًا بالعالم بمليار دولار تقريبًا من الاستثمارات.

٣- مشاريع مشتركة في مجال المياه والطاقة عبر ترتيبات مع شركات سعودية متخصصة، من بينها خطط لتحلية المياه أو تعزيز شبكة المياه في الأراضي السورية مما يدخل في إطار دعم التنمية المستدامة.


وقد أُشير في نشرات إعلامية محلية ودولية إلى أن حجم الاتفاقيات الاستثمارية بين البلدين منذ منتصف عام 2025 تجاوز 6 مليارات دولار أمريكي، فيما يواصل الطرفان العمل على المزيد من المشاريع التنموية. [2]


تعزيز الدور الإقليمي للسعودية

مما لاشك فيه أن السعودية تتزعم قيادة المنطقة العربية بسيادتها الاقتصادية وسياحتها الدينية ودورها البارز في التأثير على الأحداث التي تحصل في المنطقة. وتعتبر هذه التحركات كنوع من إحكام الرياض على مكانتها كلاعب أساسي في صياغة التوازنات الجديدة بالشرق الأوسط. السعودية بلد ليس فقط مستثمر اقتصادي بل ينظر إلى إعادة بناء علاقات مع سورية كرافعة لسياساتها الإقليمية الجديدة، التي تتضمن تقليل الاعتماد على المواجهة كأداة وحيدة واستخدام آليات الاستثمار والتعاون كجسور لبناء نفوذ سياسي معتدل.


و يرى محللون سياسيون أن دور السعودية في دعم إعادة الإعمار السوري قد يجعلها جهة مؤثرة في معادلات استقرار المنطقة، خاصة في ظل تنافس القوى الإقليمية على مناطق النفوذ بعد الحرب الطويلة. وهذا التوجه يعزز صورة السعودية كوسيط مؤثر يقدم حلولًا عملية للتنمية بدلا من الاستقطاب السياسي الحاد.


تعزيز شرعية السلطة الحالية

من وجهة نظر السلطة القائمة فإن هذه الاتفاقيات تحمل أبعادًا تتجاوز الاقتصاد فهي تعمل على تقليل عبء العزلة السياسية والهيكلية التي عاشتها البلاد لعقد ونصف من الزمن، بالإضافة إلى دخولهم العالم السياسي بسلطة امر واقع وهذا بطبيعة الحال يفرض عزلة سياسية لأنهم جاؤوا بدون انتخابات شعبية، ووجود شريك إقليمي قوي مثل السعودية يمنح الحكومة السورية نفَسًا دبلوماسيًا واقتصاديًا في مواجهة التحديات الحالية، ويخلق أرضية لإعادة تقييم مواقف الدول الغربية تجاه دمشق في المستقبل. كما أن توقيع اتفاقيات استراتيجية مع دولة عربية كبرى يُضفي مزيدًا من الشرعية الإقليمية على الحكومة السورية الحالية، ويضعها تدريجيًا في موضع لاعب طبيعي في المعادلات السياسية لمنطقة الشرق الأوسط بعد سنوات من العزلة.


خاتمة

بالنسبة للشعب السوري، مايهمه هو تنفيذ تلك الاتفاقيات على أرض الواقع وأن يلمس نتائجها بالسرعة الممكنة، لأن الوضع الإقتصادي يشير إلى تضخم كبير وفقدان الثقة بالإقتصاد الوطني، فلا تستيطع السلطة الحالية أن تستمر في تبييض الوضع الاقتصادي السوري وخداع الشعب بالصورة الوردية والمخملية التي تعودت السلطة على إظهارها دائما.

إن توقيع الاتفاقيات الاستراتيجية بين سورية والمملكة العربية السعودية لا يمكن فهمه كخطوة منفصلة عن السياق الإقليمي والدولي الراهن؛ وهو أيقونة تطبيع محسوبة تعتمد على المصالح الاقتصادية والدولية، ومراعاة للمواقف الغربية في محاولة لإعادة دمج سورية في محيطها الإقليمي والعالمي بشكل تدريجي، ونأمل ألا يكون على حساب الشعب السوري وأن تكون هذه المرحلة صفحة جديدة في العلاقات السورية–الخليجية، وقد تشكل نموذجًا لآليات دبلوماسية واقتصادية مماثلة يمكن أن تسهم في عودة سورية إلى موقعها الطبيعي في خريطة الشرق الأوسط السياسية والاقتصادية.




محمد يزن الحمادي


لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال