544
خلال الأيام الماضية، وبعد انتخابات البرلمان العراقي التي شهدت مشاركة شعبية مرتفعة سجّلت رقمًا لافتًا[1]، عادت الدول الخارجية إلى محاولة التأثير في الشأن العراقي عبر الهندسة السياسية والضغط الدبلوماسي على التيارات السياسية في البلاد. فالولايات المتحدة تُبدي صراحةً اعتراضها على وصول شخصيات قريبة من محور المقاومة إلى السلطة، كما أن دولًا إقليمية أخرى تمتلك مواقف خاصة تجاه المرشحين لمنصب رئاسة الوزراء. ويُعدّ السيد نوري المالكي أبرز مرشحي هذه الدورة، وهو صاحب رؤية واضحة حيال القضايا الداخلية والخارجية للعراق. وفيما يلي قراءة في أشكال التدخل الأمريكي في هذا السياق:
التدخل المباشر في هندسة موازين القوة السياسية في العراق
إن الإعلان عن استخدام «جميع الأدوات» يعكس دخولًا أمريكيًا صريحًا في تشكيل التحالفات السياسية ومحاولة احتواء الخيارات غير المرغوبة في بغداد. فقد حدّدت إدارة ترامب بوضوح خطوطًا حمراء تعتبرها غير مقبولة في إدارة الدولة العراقية[2] ووُضعت الشخصيات ذات المواقف الإيجابية تجاه إيران ضمن قائمة مرفوضة أمريكيًا. وتواجه الديمقراطية الناشئة في العراق اختبارًا صعبًا، ومع استمرار التدخلات السياسية الأمريكية يُتوقّع أن تكون عملية اختيار رئيس الوزراء معقّدة ومليئة بالتجاذبات.
ربط سيادة العراق بمدى التعاون مع واشنطن
يمثل الضغط السياسي بهدف مواءمة السياسات الداخلية العراقية مع المصالح الأمريكية أحد أدوات التأثير المباشر. ويسعى الممثل الأمريكي في العراق، في إطار سياسات تحفظ المصالح بعيدة المدى لبلاده، إلى ضمان عدم تعرّض تلك المصالح لأي خلل. وبالنظر إلى الاعتماد المالي للعراق على الولايات المتحدة، يمكن لهذه الضغوط أن تؤثر في مسارات عمل الحكومة؛ إذ قد تجد الحكومات العراقية نفسها في أزمات مالية إذا تحركت دون موافقة واشنطن، ما يضطرها إلى مراعاة سياساتها.
استهداف شخصية وخطاب المالكي وتحذير الأحزاب السياسية العراقية
إن الرفض الصريح لعودة المالكي لا يُفهم بوصفه موقفًا شخصيًا فحسب، بل باعتباره اعتراضًا على نهجه المناهض للولايات المتحدة وقربه من محور المقاومة. وبناءً على التحذيرات الرسمية الأمريكية من صعود شخصيات قريبة من هذا المحور، فإن وصول المالكي إلى السلطة قد يؤثر في المصالح الأمريكية داخل العراق، مع ما يترتب على ذلك من تبعات سياسية واقتصادية على الحكومة العراقية. وترى إدارة ترامب أن الأحزاب والقوى السياسية العراقية ينبغي ألا تقترب من خطاب محور المقاومة، وأن تجاوز هذه الخطوط الحمراء قد يستجلب عواقب سياسية واقتصادية سلبية.
التوظيف المعلوماتي–النفسي
إن إبراز هذه التحذيرات إعلاميًا يؤدي وظيفة حرب نفسية تستهدف التأثير في الرأي العام وحسابات النخب السياسية العراقية. فبعض وسائل الإعلام الدولية، المتأثرة بتوجهات دول غربية، تسعى إلى ضخ رسائل موجّهة داخل العراق، ولا تتقبّل صعود شخصيات سياسية قوية ذات قاعدة شعبية. ومن خلال قدرتها على صناعة إجماع إعلامي، تحاول التأثير في منظومة إدراك الرأي العام والنخب، والإيحاء بأن وصول شخصيات مناهضة للولايات المتحدة سيعيد بغداد إلى حالة عدم الاستقرار[3]. وبناءً على ذلك يُروَّج لفكرة أن المرشحين الأنسب هم شخصيات «محايدة» لا تعارض النفوذ الغربي وتلتزم بتوجهات واشنطن، ويجري تسويق هذا الطرح عبر تغليف إعلامي موجّه.
خلاصة
تواجه القوى السياسية العراقية، بتعددها وتنوعها، ضرورة إدارة شؤون البلاد وفق المصالح الوطنية للعراق، بعيدًا عن تدخلات الدول الإقليمية والدولية. ومن المرجح أن يكون رئيس الوزراء المقبل نتاج توازنات الكتل ذات الثقل التصويتي المرتفع، ولا سيما داخل الأحزاب الشيعية. وفي هذا السياق قد تبلغ رسائل التحذير الصادرة عن إدارة ترامب ذروتها. كما يُحتمل أن يتعرض العراق مستقبلًا لمزيد من الضغوط من فاعلين إقليميين ودوليين، وإذا تراجعت يقظة الرأي العام فقد تبرز مخاطر اضطرابات داخلية جديدة.
أميرعلي يكانه
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال