بريطانيا وأوروبا؛ كل منهما بحاجة الآخر للبقاء! 58

بريطانيا وأوروبا؛ كل منهما بحاجة الآخر للبقاء!

شهدت العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي تقلبات كبيرة منذ حقبة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وازدادت هذه العلاقات تعقيدًا مع اندلاع الحرب بين أوكرانيا وروسيا. ثم مع وصول ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة والتغييرات الواسعة في عقيدة الدفاع الوطني الأمريكية ازداد هذا التعقيد. وبطبيعة الحال برزت حاجة كل طرف للآخر أكثر من أي وقت مضى. يُعد موقع بريطانيا كقوة جيوسياسية بالغ الأهمية لأوروبا، والاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية قادر إلى حد كبير على تغطية أوجه القصور في لندن. لذلك يبدو أن القوتين قد توصلتا إلى تفاهم متبادل على حاجتهما المتبادلة للبقاء والتغلب على تحديات النظام الدولي الجديد.


عندما وصلت بروكسل ولندن إلى مرحلة الحاجة إلى التعاون لا سيما في المجال الأمني وقعتا اتفاقية أمنية تُعرف باسم اتفاقية الشراكة الأمنية الاستراتيجية. تُعد هذه الاتفاقية تطورًا استراتيجيًا في بنية الأمن الأوروبي. فبعد حرب أوكرانيا وتحذيرات الولايات المتحدة كانت أوروبا تعاني من عزلة استراتيجية وضعف عسكري. للتغلب على الأزمة اتجهت أوروبا إلى شراكة استراتيجية مع بريطانيا. فقد أظهرت حكومة لندن أهمية أوروبا بالنسبة لها، ولعبت دورًا محوريًا في مقاومتها خلال الحرب من خلال دعمها الواسع لأوكرانيا وتزويد الجيش الأوكراني بالإمدادات والتدريب. كما أن بريطانيا إلى جانب فرنسا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تمتلك مظلة دفاعية ونووية شاملة، وهو ما يمثل مسألة بالغة الأهمية للأمن الأوروبي في حال حدوث تهديد نووي من روسيا. لهذا السبب اتجهت أوروبا نحو اتفاقية أمنية وعسكرية مع بريطانيا تلبي احتياجات الاتحاد وتراعي مخاوف لندن[1].

يعكس التصميم المؤسسي لشراكة الاتحاد الأوروبي الأمنية والدفاعية مع بريطانيا تركيزًا واعيًا على المرونة والحرية السياسية من كلا الجانبين. وعلى عكس المعاهدات الدفاعية الملزمة أو الترتيبات الأمنية فوق الوطنية، صُممت هذه الشراكة كإطار مرن وغير ملزم يسمح بالتعاون الموجه في مجالات محددة، مثل الدفاع السيبراني وإدارة الأزمات والتنقل العسكري ومواجهة التهديدات الهجينة. ومن الجدير بالذكر أن الاتفاقية لا تمنح المملكة المتحدة مشاركة دائمة في مؤسسات الدفاع الرئيسية للاتحاد الأوروبي، مثل وكالة الدفاع الأوروبية (EDA) أو التعاون الهيكلي الدائم (PESCO). سيُحدد وصول المملكة المتحدة إلى مشاريع الاتحاد الأوروبي المحددة من خلال مفاوضات خاصة. يتيح هذا النهج القائم على دراسة كل حالة على حدة للطرفين التعاون في المجالات التي تتداخل فيها مصالحهما دون التقيد بأطر مؤسسية ملزمة تحد من مرونتهما الاستراتيجية. ونتيجة لذلك يعكس الهيكل العام للشراكة منطقًا قائمًا على صون السيادة وإدارة المصالح النسبية، وتجنب الغموض في التزامات الأمن الجماعي الملزمة. وهذا عاملٌ يُسهم في جعل هذه المعاهدة مرنة وفعّالة مما يُسرّع التعاون ويُقلل العقبات إلى أدنى حد ممكن.[2]


تجدر الإشارة إلى أن أحد أبرز العوائق أمام تعزيز التقارب الدفاعي بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي هو اختلاف الأطر الصناعية والتنظيمية في قطاع الدفاع. ففي السنوات الأخيرة ركز الاتحاد الأوروبي على التكامل الداخلي لسوقه الدفاعي من خلال آليات مثل صندوق الدفاع الأوروبي (EDF) والبرنامج الأوروبي للصناعات الدفاعية (EDIP). وهي مناهج مصممة خصيصًا لتشجيع التطوير المشترك والمشتريات المشتركة بين الدول الأعضاء والحد من الاعتماد على الموردين من خارج الدول الأعضاء، وتعزيز القاعدة التكنولوجية والصناعية الدفاعية الأوروبية (EDTIB). وتحمل هذه التطورات في الوقت نفسه تحديات استراتيجية واقتصادية للمملكة المتحدة. فبعد سنوات من نقص الاستثمار وتقليص حجم الصناعة، يواجه قطاع الدفاع البريطاني العديد من أوجه القصور الهيكلية. بدءًا من نقص العمالة الماهرة، وضعف سلاسل التوريد، وصولًا إلى محدودية الطاقة الإنتاجية في المراكز الصناعية العسكرية، تفاقمت هذه المشكلات بسبب الاحتكاكات التجارية الناجمة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والضغوط المالية طويلة الأجل.

لذلك، فإن مشاركة بريطانيا الانتقائية في برامج الدفاع التابعة للاتحاد الأوروبي لا تنبع من رغبة في إعادة الاندماج بقدر ما تنبع من ضرورة مادية ومالية للوصول إلى آليات المشتريات المشتركة، والتقنيات المتقدمة، والبحث والتطوير المشترك. إنها وسيلة لتعويض أوجه القصور الداخلية في لندن، دون المساس بتفضيل بريطانيا الأساسي للاستقلال الاستراتيجي.[3]


على الصعيد الاستراتيجي تجد لندن نفسها مضطرة إلى الموازنة بين علاقتها الخاصة مع واشنطن وبروكسل. لا يزال الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة رصيدًا قيّمًا، ولكنه ينطوي أيضًا على مخاطر بالنسبة للندن في حال انسحاب الإدارات الأمريكية المستقبلية من أوروبا. في المقابل من شأن تعزيز التعاون الأمني ​​مع الاتحاد الأوروبي أن يمنح بريطانيا عمقًا استراتيجيًا أكبر وقدرة على الصمود. ولعلّ السبيل الوحيد المستدام لبريطانيا ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، والتي ترغب في البقاء ركيزة أساسية للأمن الأوروبي ليس الاختيار بين الولايات المتحدة وأوروبا بل إيجاد طريقة لمواءمة وتشكيل التوازن بين القوتين الحليفتين.[4]


أخيرًا على الرغم من توسع التعاون في بعض المجالات لا تزال المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ملتزمين بمسارات استراتيجية مختلفة. تُعرّف المملكة المتحدة نفسها كفاعل أمني عالمي وجزء لا يتجزأ من النظام الدولي، وتعتبر استمرار دورها المحوري في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة وشبكة من اتفاقيات الدفاع الثنائية الركائز الأساسية لسياستها الأمنية.


في المقابل، وضع الاتحاد الأوروبي مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" في صميم استراتيجيته الأمنية، وهو مفهوم يهدف إلى تقليل الاعتماد على الجهات الفاعلة العابرة للأقاليم وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية المستقلة. ويتجلى هذا التباين في الهوية بوضوح في نص وإطار اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، حيث يُشترط التعاون صراحةً بالامتثال للأطر المؤسسية والقانونية لكل طرف. ويعكس هذا حساسية الطرفين الشديدة لمسألة السيادة وتجنب الالتزامات المؤسسية الملزمة. عمليًا، يعكس التعاون بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي رؤية جديدة للتحالفات غير الهرمية القائمة على القضايا، وهي أطر تسمح بالتنسيق الانتقائي دون التخلي عن السيطرة الاستراتيجية. يُتيح هذا النموذج للطرفين التعاون في مجالات الأمن المشتركة دون الالتزام بتعهدات مؤسسية مُلزمة. وفي هذا السياق تتسم الشراكة بين لندن وبروكسل بطابع عملي إذ تهدف إلى إدارة نقاط الضعف المشتركة انطلاقاً من ضرورة عملية بدلاً من السعي نحو تكامل شامل.



أمين مهدوي



لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال