661
خلال السنوات الأخيرة وبعد اندلاع الصراع الروسي الأوكراني وما تلاه من عمليات عسكرية خاصة للقوات الروسية، شهدت صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا، التي كانت تُعدّ الوجهة الأكبر والأكثر ربحية للغاز الروسي انخفاضًا حادًا ومفاجئًا ما أدى في نهاية المطاف إلى هبوط غير مسبوق في حجم صادرات الغاز إلى أوروبا. ويُعزى السبب الرئيسي لهذا الانخفاض إلى إغلاق خط الترانزيت الأوكراني، وإغلاق خط "ترك ستريم" الذي يُعدّ الخط الوحيد النشط المتبقي والذي يعاني أيضًا من محدودية عدد عملائه.
كانت روسيا تُعتبر سابقًا أكبر وأهم مُصدّر للغاز إلى أوروبا. حيث بدأت صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا عام 1973، عندما أبرم الاتحاد السوفيتي أول عقود تصدير له إلى أوروبا بكمية 6.8 مليار متر مكعب من الغاز، وارتفعت إلى 180 مليار متر مكعب، وهو أعلى مستوى لها [1] في عامي 2018 و2019، مُدرّةً أرباحًا وإيرادات بمليارات الدولارات لشركة غازبروم والحكومة الروسية. في غضون ذلك وفق التوقعات فقد انخفضت هذه الصادرات بنحو 44% في عام 2025، وهو أدنى مستوى لها منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي. ويشير هذا الرقم إلى انهيار سوق استراتيجية لموسكو، وما يترتب عليه من خسارة سوق أوروبية مربحة تقليديًا.
وفي ذات الوقت أدت جهود أوروبا لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية إلى قرار الاتحاد الأوروبي بالتوقف عن استيرادها بحلول عام 2027. ومع ذلك لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه سكان القارة الأوروبية. ويعمل الاتحاد الأوروبي حاليًا على تقليل اعتماده على الغاز الروسي بشكل مطرد، ويهدف إلى استبداله بدول مثل أذربيجان وأفريقيا والولايات المتحدة والنرويج. إلا أن الخبراء يحذرون من أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنسيقًا دقيقًا، وتطويرًا وتحديثًا للبنية التحتية وإدارة السوق لمنع انقطاع الإمدادات وارتفاع الأسعار.
ووفقًا لمحللي الطاقة بلغ إجمالي إمدادات غازبروم في عام 2025 نحو 18 مليار متر مكعب فقط نُقلت حصريًا عبر خط أنابيب ترك ستريم البحري[2]. كان لهذا الانخفاض في الصادرات أثر مباشر على إيرادات الدولة وربحية شركة غازبروم، لا سيما في ظل ظروف الحرب والعقوبات، مما أدى إلى أزمة في غازبروم وضعفها، فضلاً عن زيادة الضغط على ميزانية الدولة الروسية. وللعام الثالث على التوالي شهدت الحكومة الفيدرالية الروسية انخفاضًا حادًا في عائدات صادرات الغاز ووصلت إمدادات غازبروم إلى أوروبا إلى أدنى مستوى لها منذ نصف قرن.
في ظل هذه الظروف لم تتمكن حتى صادرات الغاز إلى الصين من تعويض هذا الانخفاض الكبير. وبلغت ميزانية الفترة بين يناير ونوفمبر 2025 نحو 420 مليار روبل (5.38 مليار دولار أمريكي). ويمثل هذا الرقم انخفاضًا بنسبة 4% في عائدات صادرات الغاز مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وانخفاضًا بنحو 17% مقارنة بعام 2023. [3] وحتى إعادة توجيه سوق الطاقة نحو الصين وآسيا الوسطى ومناطق أخرى من آسيا لم تتمكن من تعويض الخسارة التي سببها هذا الفراغ لروسيا.
مع ذلك ووفقًا لبعض المصادر تتوقع شركة غازبروم أن تصل صادرات الغاز إلى الصين عبر خط أنابيب "قوة سيبيريا" حوالي 38.6 الى 38.7 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل زيادة طفيفة مقارنةً بعام 2024، ويتجاوز قليلاً الطاقة الاستيعابية السنوية المخطط لها لهذا الخط والبالغة 38 مليار متر مكعب. وتشير البيانات المتاحة إلى أن حجم الغاز المنقول إلى الصين أقل بكثير من صادرات الطاقة إلى أوروبا، ولا يكفي عمليًا لتعويض هذا النقص.
وفي نهاية المطاف، أدت هذه الأحداث إلى تغيير في هيكل الطاقة العالمي. ويرى العديد من المحللين أن هذا التوجه ليس مؤقتًا بل مؤشر على تغيير طويل الأمد؛ تغيير سيُضعف السياسة الخارجية الروسية الموجهة نحو الطاقة، وستكون له تداعيات بعيدة المدى على الموردين الثانويين والمستهلكين.
وأخيرًا، يُلاحظ أنه على الرغم من جهود القادة الأوروبيين لقطع واردات الغاز الروسي تمامًا، لا تزال بعض مناطق القارة بحاجة إلى استيراد الغاز من روسيا ولكن بشكل عام، فإن الانخفاض التاريخي في صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا ليس مشكلة مؤقتة، بل هو تغيير هيكلي شبه لا رجعة فيه في الأسواق العالمية وجيوسياسة الطاقة. تشير أحدث الحسابات إلى أن عام 2025 سيشهد نهاية عقود من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. فقد شهدت صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا انخفاضًا تاريخيًا هذا العام، مما وجه ضربة اقتصادية قوية لموسكو. ما كان في السابق مصدرًا لقوة موسكو أصبح أداةً للاستقلال الأوروبي، ونقطة تحول في استراتيجية روسيا "التوجه شرقًا"، وفصلًا جديدًا في كيفية ربط الطاقة بالدبلوماسية مع دخولنا عام 2026، وهو دليل قاطع على أن أوروبا لن تعود أبدًا إلى حقبة الاعتماد على الغاز الروسي.
نويد دانشور
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال