551
مع بداية العام الجديد، وبينما نستذكر قبل بضعة أشهر من المناورات العسكرية الروسية البيلاروسية المشتركة "زاباد 2025" يتبادر إلى أذهاننا رمزٌ بارز إلى جانب استعراض القوة العسكرية الروسية وجاهزية قواتها العملياتية، وهو مشهد فلاديمير بوتين رئيس روسيا الاتحادية بهيئته العسكرية وسلاحه في يده، لا كزعيم سياسي فحسب بل كقائد طموح يتمتع بجاهزية عسكرية عالية وحضور ميداني كامل في ساحة المعركة، ما أوصل رسالة قوة الكرملين إلى الغرب. [1]
والآن بعد فترة ليست بالطويلة وخلال الأشهر الأخيرة، ومع حضور بوتين المتكرر في مركز قيادة المناورات الاستراتيجية وتواجده الميداني في قيادة العمليات الأوكرانية، نشهد عزم روسيا على عدم التراجع عن مواقعها الحالية، واستغلال تردد الغرب ومواصلة سياستها التوسعية. ويبدو أن هذه السياسة محاولة لإظهار القوة العسكرية الروسية وتفوقها الميداني في مواجهة التوترات المتصاعدة الأخيرة ضد الكرملين. الآن وبعد أكثر من 46 شهرًا من الحرب والصراع العسكري بات من الواضح تمامًا أن أعضاء حلف الناتو ما زالوا يعيشون في وهم الهزيمة الساحقة لروسيا بينما يسعون في الوقت نفسه لإيجاد سبل للنجاة من أوكرانيا وفرض واقع جديد على ساحة المعركة ضد روسيا. وقد عزز هذا التفوق الميداني موقف الكرملين إلى جانب المأزق السياسي الذي يعيشه حلف الناتو.
نذكر أنه قبل أيام أعلن فاليري غيراسيموف رئيس الأركان العامة للجيش الروسي السيطرة على مناطق استراتيجية في اقليم الدونباس وأن القوات الروسية، بعد تقدمها نحو الأهداف المحددة في الحرب مع أوكرانيا والاستيلاء على سيفيرودونيتسك، تتقدم بسرعة نحو سلافيانسك[2].
تجدر الإشارة إلى أن مدينة سلافيانسك، التي كانت تُعتبر من أهم معاقل أوكرانيا الدفاعية في شمال البلاد، لطالما كانت من الأهداف الرئيسية للقوات الروسية على الجبهة الشرقية. وفي الوقت نفسه وخلال الأيام الأخيرة من عام 2025، شهدنا الاستيلاء على سيفيرسك ومع سيطرة القوات الأوكرانية على المدينة بشكل فعلي بعد أشهر من الاستنزاف تراجعت القوات الأوكرانية وقبلت بالهزيمة في هذه المناطق الرئيسية.
في الوقت الذي تُعلن فيه روسيا يوميًا عن إنجازاتها العسكرية صرّح الرئيس الأوكراني زيلينسكي بأن أوكرانيا لا تملك القدرة على استعادة شبه جزيرة القرم أو غيرها من الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية[3]. ويرى العديد من الخبراء أن هذه التطورات ستُغيّر مسار مفاوضات السلام ومسار تحقيقها. ولذلك فقد تضاءلت رغبة موسكو في تقديم تنازلات مقابل انسحاب القوات الأوكرانية إلى حدٍّ كبير ومن خلال انتهاج سياسة التقدم العسكري، تتقدم القوات الروسية بسرعة نحو سلافيانسك ويتوغلون في الأراضي الأوكرانية[4].
ونشهد الآن استمرار خطط تحرير جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين ومنطقتي زابوريزهيا وخيرسون، وتُعزّز روسيا وجودها الأمني على محاور سومي وخاركيف ودنيبروبيتروفسك. ويبدو أن الكرملين قد اتخذ خطوات للتقدم في المناطق المستهدفة من خلال إنشاء وتوسيع منطقة أمنية.
أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أنه في ظل الجمود السياسي والعسكري الناجم عن سياسات الناتو الوهمية تشهد روسيا تقدمًا عميقًا داخل الأراضي الأوكرانية، وتتقدم موسكو بسرعة نحو سلافيانسك عبر إنشاء منطقة أمنية وتوسيع نطاقها. وقد قلل هذا من رغبة موسكو في تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات وعزز عمليًا تفوقها الميداني على مماطلة الغرب، وقربها من أهدافها الرئيسية. من الواضح أن القوات الروسية في سياق تنفيذ خططها في ساحة المعركة تتقدم بنجاح في عمق خطوط دفاع الجيش الأوكراني، وتدخل إلى عمق تحصيناته. كل هذا في حين لم يتوصل الناتو بعد إلى اتفاق نهائي وتفرض روسيا واقعًا جديدًا على أرض المعركة.
نويد دانشور
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال