حروب أمريكا، قرار رجل واحد وتكلفته على الجميع 44

حروب أمريكا، قرار رجل واحد وتكلفته على الجميع

شهد العالم منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض تصاعدًا سريعًا في النشاط العسكري الأمريكي خارج البلاد. فالولايات المتحدة التي لطالما قدمت نفسها كمدافعة عن حقوق الإنسان وصانعة للسلام، أصبحت مصدرًا ومركزًا لإشعال الحروب واستمرارها في أجزاء كثيرة من العالم خلال ولاية ترامب الحالية.


وقد سمح ترامب بسلسلة من الهجمات بدءًا من الاستخدام غير المسبوق للقنابل الخارقة للتحصينات ضد أكثر المواقع النووية تحصينًا في إيران، وصولًا إلى حملة مكافحة مخدرات متواصلة قبالة سواحل فنزويلا.


ويأتي هذا في الوقت الذي صرّح فيه خلال حفل تنصيبه: "لن نقيس نجاحنا بالمعارك التي ننتصر فيها فحسب، بل بالحروب التي ننهيها وربما الأهم من ذلك كله الحروب التي لا نخوضها أبدًا" [1].


بحسب بيانات جمعتها منظمة ACLED وقدمتها لصحيفة Military Times، أشرف ترامب على ما لا يقل عن 626 غارة جوية منذ توليه منصبه في 20 يناير 2025. ومن بين الدول التي هاجمها بذريعة مختلفة ومضللة بما في ذلك مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات وغيرها، الصومال والعراق واليمن وإيران وسوريا ونيجيريا، وأخيراً فنزويلا.


الصومال - 1 فبراير 2025[2]

العراق - 13 مارس 2025

اليمن - 15 مارس - 6 مايو 2025

إيران - 22 يونيو 2025

سوريا - 19 ديسمبر 2025

نيجيريا - 25 ديسمبر 2025

فنزويلا - ديسمبر 2025 وما زالت مستمرة.


والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي قاله ترامب عن العمليات العسكرية الأمريكية في الخارج قبل ولايته الثانية، وماذا يقول الآن؟ لطالما قدم ترامب نفسه كمناصر لإنهاء الحروب التي لا تنتهي. انتقد ترامب التدخلات السابقة في العراق وأفغانستان، ووعد بسياسة خارجية تقوم على مبدأ "أمريكا أولاً". إلا أن ولايته الثانية أظهرت استعداداً لاستخدام القوة العسكرية بشكل انتقائي، مبرراً بعض العمليات بأنها دفاعية أو عمليات لمكافحة الإرهاب.[3] ومن المثير للاهتمام أنه غيّر مؤخراً مفهومي الردع والسلام بشنّه هجوماً على فنزويلا. ترامب الذي كان من أنصار مبدأ "أمريكا أولاً" بات يعتبر هذا المبدأ وأنصاره سلبي للغاية .


في حالة غزو فنزويلا واعتقال مادورو، حاولت الحكومة الأمريكية تبرير أفعالها بأنها "عمليات محدودة" أو "مكافحة مخدرات" أو "اعتقال مجرمين" لتجنب الحصول على تفويض من الكونغرس. ويقول منتقدون إن هذه الإجراءات، لعدم مهاجمة فنزويلا للولايات المتحدة، كانت خارجة عن الصلاحيات القانونية للرئيس وتنتهك القانون الأمريكي وحتى الدولي.[4]


وقد صرّح نواب وأعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون، وبعض الجمهوريين بأن الرئيس شنّ هذه العملية دون تفويض من الكونغرس وأن على الكونغرس التدخل. قال شومر: "منذ تأسيس جمهوريتنا منح الدستور الكونغرس سلطة واحدة حصرية وواضحة: سلطة إعلان الحرب. ولنكن واضحين: لم يُعلن الكونغرس الحرب على فنزويلا. فالشعب الأمريكي لا يريد الانجرار إلى حرب لا نهاية لها ولا طائل منها".


وقال عضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، والعضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ: "لا ينبغي لنا المخاطرة بحياة أفراد جيشنا بالانخراط في عمليات عسكرية داخل فنزويلا دون نقاش مستفيض في الكونغرس. ولهذا السبب مُنحت سلطة إعلان الحرب للكونغرس لا للرئيس"[5].


كما أكدت منظمات حقوق الإنسان وخبراء الأمم المتحدة أن عمليات مكافحة المخدرات هي مسائل إنفاذ قانون، وليست نزاعًا مسلحًا ويجب أن تُجرى وفقًا لمعايير صارمة لحقوق الإنسان، لا وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني الأكثر تساهلاً.


إن النهج الأمريكي الحالي الذي يعتمد على القوة العسكرية بدلًا من الإجراءات القضائية يُقوّض سيادة القانون ويُرسي سابقة خطيرة لاستخدام القوة في سياقات مماثلة.


بموجب دستور الولايات المتحدة، تقع سلطة إعلان الحرب على عاتق الكونغرس (المادة الأولى)، بينما يتولى الرئيس منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة (المادة الثانية). ويُلزم قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 الرئيس بإبلاغ الكونغرس عن الأعمال العدائية في غضون 48 ساعة، وإنهاءها في غضون 60 إلى 90 يومًا ما لم يُصرّح الكونغرس باتخاذ إجراءات إضافية. وتثير الحملة الحالية على فنزويلا تساؤلات دستورية خطيرة، إذ لم يصدر أي إعلان حرب ولا تفويض صريح لاستخدام القوة ضد فنزويلا، ولا ادعاء موثوق به بوقوع هجوم مسلح وشيك على الولايات المتحدة يُبرر اتخاذ إجراء تنفيذي أحادي الجانب.


ويرى فقهاء القانون أن الضربات العسكرية المستمرة وزيادة الوجود البحري تتجاوزان الصلاحيات الدستورية للرئيس وأن الكونغرس قد تقاعس عن أداء واجبه في تفويض النزاع أو تقييده. ورغم أن الكونغرس رفض مرتين قرارات تحد من سلطة الرئيس في مواصلة العمل العسكري ضد فنزويلا، إلا أنه لم يُقرّ تفويضًا جديدًا لاستخدام القوة العسكرية في فنزويلا مما يُبقي العملية في حالة من عدم اليقين الدستوري.


باختصار، أظهرت تصرفات رؤساء الولايات المتحدة عبر التاريخ أنهم (منذ خمسينيات القرن الماضي) دأبوا على شنّ عمليات عسكرية دون إعلان حرب رسمي، وغالبًا ما كان الكونغرس يمنح تفويضًا عامًا مسبقًا (كما في الحرب على الإرهاب) أو يمتنع عن التدخل المباشر، ومن القضايا المهمة الأخرى أن قانون صلاحيات الحرب نفسه محدود ويشوبه العديد من الثغرات في التطبيق.[6]


وبالتالي، فإن تحرك ترامب الأخير في فنزويلا يندرج ضمن النمط نفسه طويل الأمد الذي يستخدم فيه الرئيس سلطته التنفيذية لتبرير العمل العسكري، بينما يعجز الكونغرس أو يمتنع عن لعب دور حاسم في عملية التفويض الرسمي. والآن ينتقد بعض المتشدقين وأعضاء الكونغرس تصرفات ترامب، معتبرين ذلك مجرد استعراض سياسي.


في الواقع، أثبت الرؤساء الأمريكيون أنهم يفعلون كل شيء لمصالحهم الخاصة وأن المنظمات الدولية والمؤسسات القانونية والتنظيمية عاجزة عن مواجهة قوة واشنطن العسكرية. هذه المشكلة ليست حكرًا على سياسات ترامب العدوانية بل كانت موجودة في جميع الحكومات الأمريكية بدرجات متفاوتة. بما أن ترامب يسعى لإظهار نفسه كأقوى رجل في العالم، فإننا نرى أن تصرفاته أقل قابلية للتنبؤ والسيطرة. إنه يعمل بجنون لتحقيق هدفه ويجب على جميع الأمريكيين أن يدفعوا ثمن نزعته العسكرية.



حكيمة زعيم باشي


لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال