473
"دمشق الأموية"... بعد تاريخ الثامن من شهر كانون الأول لعام ٢٠٢٤ بدأنا نسمع هذا الشعار الذي أطلقوه "الفاتحون الأمويون" الذين أتوا من الشمال السوري تحت مسمى "التحرير"، وبعدها تحولت أقدم عاصمة في التاريخ إلى مركز لإلتقاء الحركات الإرهابية والجماعات الإسلامية المتطرفة وأعلنوها كإمارة إسلامية يحكمها أحرار بني أمية الجولانيون...
لم يلبث الشعب السوري أن يدرك مدى الخديعة التي حصلت بسقوط نظام بشار الأسد حتى بدأت تصدع رأسه تلك الشعارات الإسلامية والدعوات الدينية التي كانت تعتبر أن الشعب السوري برمته لم يكن يعيش الإسلام الصحيح، وجاؤوا هؤلاء لكي يصححوا المسار ويقوموا الدين من وجهة نظرهم، ولاتكاد ترى مجموعة منهم إلا ويتزعمها أحد المجاهدين الأجانب الذين جاؤوا إلى سورية للجهاد كما يعتقدون، فهم من بلدان عربية وأجنبية ذات أصول متطرفة هُمِّشوا في بلادهم وطُردوا لأسباب تتعلق بالإرهاب والتحقوا بصفوف جبهة النصرة وجبهة تحرير الشام وغيرها، وهنا شكلوا هذا التجمع الكبير لهم في العاصمة دمشق وفي محافظات أخرى بعد إعطائهم دوراً بارزاً في أحد فرق الجيش وتشكيلات وزارة الدفاع السورية الحالية وهي الفرقة ٨٤ الخاصة بالفصائل الأجنبية. [1]
دمشق، وهي عاصمة البلد الذي كان رأس الحربة في مقاومة النظام الإسرائيلي والمشروع الصهيوني، أصبحت ملتقى للجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة من عشرات الدول، في الواقع تُعدّ ظاهرة المقاتلين الأجانب قضية متعددة الأبعاد تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية والإنسانية. فمن جهة يُمثل هؤلاء المقاتلون رصيداً من الخبرات القتالية لهيئة تحرير الشام، ومن جهة أخرى يثير وجودهم قلقاً إقليمياً ودولياً متزايداً بشأن الأمن والاستقرار في المنطقة من الناحية الدولية.
التصعيد الميداني والصراعات الداخلية
إن واقع الحال يظهر مدى هشاشة الوضع السياسي والأمني في سورية، فالتعصب السياسي للمركز ولراس السلطة واللعب على الوتر الطائفي يزيد من انقسام المجتمع السوري وسط تفرد السلطة في الحكم وعدم إشراك المكونات الأخرى. ومع انتهاء المهلة المحددة بين قوات سورية الديمقراطية(قسد) وسلطة الشرع من أجل إنجاز الاندماج المتفق عليه منذ اتفاق ١٠ مارس الماضي، تبدأ مرحلة تصعيدية جديدة بين الطرفين في ظل تصعيد ميداني عسكري على الأرض واستقدام تعزيزات إضافية على طرفي الفرات من كلا الجانبين تمهيداً لشن عمل عسكري ضد قسد. وفي حلب قالت قسد إن الفصائل التابعة للحكومة السورية شنّت هجوماً عنيفاً باستخدام الرشاشات الثقيلة والمدفعية على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، ووصفت الهجوم بأنه «اعتداء سافر يهدد أمن المدنيين ويُنذر بتداعيات خطيرة».[2]
تناولت مواقع أخبارية عديدة أخباراً تفيد بأن مظلوم عبدي القائد العسكري لقوات سورية الديمقراطية قد سافر إلى دمشق من أجل لقاء أحمد الشرع للاتفاق على كيفية الاندماج المزمع اجراؤه، وهذه أخبار لم يتم التأكد منها ولم تثبت صحتها، بالمقابل أعلنت قوات سورية الديمقراطية عن تأجيل اللقاء بين الزعيمين لأسباب تقنية[3].
الدور المباشر للولايات المتحدة
لايخفى الدور الأمريكي على أحد من حيث إدارة الملف السوري وتثبيت حكم المجموعات الإرهابية والفصائل الجهادية في سورية لأهداف كثيرة لسنا بصدد ذكرها الآن ولكن من أهمها تقسيم البلاد و التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وهذا بالتأكيد لن يتم بدون إشراف الولايات المتحدة على مخطط تنفيذ هذا المشروع بعد كسر مقاومة المحتل.
الجدير بالذكر أن تسميات مثل شرق وشمال الفرات، وجنوب سورية، وغرب و وسط سورية لم تكن موجودة في قاموس الشعب السوري سابقاً وباتت شائعة على أجندات من هم خارج البلاد و داخلها، وأيضاً المندوب الأمريكي لسورية توماس باراك وهو الراعي الرسمي لتنفيذ مشاريع الولايات المتحدة وخاصة التي تتعلق بأمن اسرائيل في الجنوب السوري، و أيضاً في شرق الفرات قرب منابع النفط والحدود العراقية، جميعها بصراحة مناطق نفوذ أمريكية بدأت تعمل على إبقائها تحت السيطرة.
إعادة انتشار داعش في سورية بعد استلام السلطة الحالية
وصول مايسمى جبهة النصرة وأتباعها للحكم في سورية أدى إلى تعزيز تنامي الحركات الجهادية والمتطرفة، ولايمكن أن نتجاهل داعش من بين تلك الجماعات، من المعلوم أن الجيش السوري السابق وحلفاؤه كانوا منتشرين في وسط سورية على تخوم البادية في وجه ماتبقى من فلول داعش الارهابية، ولكن بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد أصبحت تلك المناطق مباحة أمام التنظيم الإرهابي ليعود من جديد، وهناك كثير من التقارير تؤكد دخول عناصر داعش إلى صفوف الجيش والامن العام في السلطة الحالية. والهجوم الذي نفذه "داعش" عبر عنصر تسلّل إلى صفوف الحكومة الجديدة مثال على ذلك وسيلقي بظلاله على عدة جوانب، منها ما هو داخلي يتعلق بالحكومة السورية، ومنها ما هو خارجي على مستوى التنسيق مع التحالف الأمريكي وطبيعته، وكذلك على مستوى الصورة العامة التي تحاول الحكومة السورية تصديرها للعالم. كما يشير الهجوم إلى انتقال "داعش" إلى مرحلة المبادرة بدل بقائه في حالة الكمون التخطيطي.[4]
وكانت قد أعلنت الولايات المتحدة فجر السبت ١٣ كانون الأول "ضرب أكثر من 70 هدفاً في أنحاء وسط سوريا بواسطة طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية والمدفعية" في ما وصفه الرئيس دونالد ترامب بأنه "ضربة انتقامية قوية جداً" رداً على الهجوم. وبحسب وزارة الداخلية السورية، فإن منفذ الهجوم انضمّ في الأشهر الأخيرة إلى صفوف قوات الأمن، وكان من المقرر فصله بسبب حمله "أفكاراً تكفيرية أو متطرفة".[5]
الخلاصة
نعود لشعار "دمشق الأموية" وهذه التسمية التي تحمل بمعانيها الكثير الكثير من التساؤلات والمفاهيم السلبية في المجتمع السوري، لأنها تنسف تاريخ طويل لأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، وتلغي تاريخ عريق للأصالة السورية التي كانت قبل الأمويين وبعدهم، وهنا لابد ان نذكر أن هناك من يصطاد في الماء العكر ويطلق هذه التسمية عمداً ليزيد الشرخ المجتمعي ويعزز الطائفية، فكما كانت دمشق أموية فهي أيضا مهد الحضارات والثقافات السابقة واللاحقة ولايمكن اختصار التاريخ بمرحلة معينة وبناء الحضارات لايكون بنفي الآخر وانما سلسلة متكاملة من بناء المجتمعات وتطوير العلوم من قبل جميع المكونات المجتمعية، من يعزز هذا الفكر المتطرف لايبني وطن وإنما يقسم الوطن ومن المؤكد أن وعي الشعب في سورية لهذه الأفكار والسموم التي تسود حاليا لن تدوم وذلك بنبذ كل أشكال التهميش والإقصاء وتعزيز مبادىء المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات.
محمد يزن الحمادي
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال