274
تقع جزيرة غرينلاند في شمال المحيط الأطلسي على حدود القطب الشمالي. هذه المنطقة التي ظلت على هامش التطورات العالمية لعقود، جذبت انتباه القوى الكبرى خلال تلك الفترة وذلك بسبب الظروف الانتقالية للنظام الدولي. وقد أثار هذا الاهتمام مخاوف سكان هذه الجزيرة بشأن مستقبلهم. يبدو أن غرينلاند من المناطق المحورية في مستقبل النظام العالمي، ويجب على سكانها الاستعداد لتحديات جسيمة.
في إطار جهود القوى الكبرى كالولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، لتشكيل مواقعها في النظام العالمي لما بعد عام 2030، ينصب تركيزها على النقاط التي قد تكتسب أهمية استراتيجية في المستقبل. وقد أدى هذا التوجه إلى تزايد أهمية غرينلاند، الجزيرة التي تُعد ملتقى طرق بين القطب الشمالي وأوروبا والولايات المتحدة.
حتى الصين تسعى إلى تعزيز نفوذها في هذه المنطقة بحجة قربها من القطب الشمالي. تتمتع غرينلاند بموقع استراتيجي مميز، فإذا سيطرت عليه أي دولة ستتمكن من اكتساب قوة تفاوضية كبيرة ضد الدول الأخرى. وقد دفعت هذه الأهمية الاستراتيجية حكومة الولايات المتحدة إلى إيلاء اهتمام خاص لهذه المنطقة في إطار عقيدتها الجديدة.
وبما أن الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز قوتها ونفوذها على المستوى العالمي للحفاظ على هيمنتها بعد عام 2030، فإن غرينلاند تُعد أداة تحكم مهمة لها. فمن خلال هذه الجزيرة تُحكم سيطرتها على روسيا وتستطيع الضغط على أوروبا، والأهم من ذلك أنها أداة استراتيجية للسيطرة على الصين في المحيط الأطلسي.[1]
بإمكان الولايات المتحدة زيادة تحركها وقدرتها على الردع ضد الصين وروسيا من خلال نشر أنظمة رادار إنذار مبكر. في الواقع يُتيح تركيب أنظمة متطورة مثل الرادارات أو غيرها من أدوات التجسس للولايات المتحدة تجنب احتمالية وقوع هجوم مفاجئ من خصم، والحصول على الاستعدادات اللازمة للهجوم المضاد. لا سيما بعد أن نشرت روسيا صواريخها على الحدود البولندية، وهناك احتمال أن تسعى إلى نشر منظوماتها الصاروخية بالقرب من القطب الشمالي لتعزيز نفوذها حيث يُمكن أن تُشكل تهديدًا محتملاً للولايات المتحدة.
لهذا تحتاج الولايات المتحدة إلى موقع استراتيجي في القطب الشمالي للحفاظ على تفوقها، وقد تكون غرينلاند هي هذا الموقع المهم. لا سيما وأن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة تول العسكرية في هذه المنطقة، ما سيمكنها من تعزيز قدراتها القتالية بتكاليف أقل من منافسيها. لطالما كانت هذه القاعدة ذات أهمية بالغة للولايات المتحدة، ومن خلالها تستطيع مراقبة ودراسة خطط روسيا والصين العسكرية.[2]
تجدر الإشارة إلى أنه في منطق القوى العظمى الحالي، يُعدّ الهيمنة على المواقع الاستراتيجية أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على النفوذ في المستقبل. وفي هذا السياق يمكننا دراسة تحركات الولايات المتحدة، التي لا تنظر إلى غرينلاند من منظور أمني فحسب بل تُوليها أيضًا أهمية في مجالات الاقتصاد البحري والملاحة البحرية فضلًا عن مواردها الشحيحة.
تتمتع هذه المنطقة بإمكانية أن تصبح ممرًا بحريًا هامًا وفعالًا من حيث التكلفة، وأن تحل محل ممرات مائية حيوية كقناة السويس. وإلى جانب إمكانية استكشاف واستغلال موارد الوقود الأحفوري، تزخر هذه المنطقة بموارد نادرة كالزنك واليورانيوم، مما يزيد من أهميتها الاقتصادية. فالدولة التي تسيطر على هذه المنطقة ستجني امتيازات اقتصادية جمة.
وقد دفع هذا المنظور الولايات المتحدة إلى الشعور بالقلق إزاء النفوذ الاقتصادي الصيني والعسكري الروسي في المناطق القريبة من نصف الكرة الغربي، وهي تُفكّر في أفضل السبل لتوسيع حدودها ونطاق نفوذها في نصف الكرة الغربي، ويُعدّ سعيها للاستحواذ على غرينلاند في هذا الاتجاه أيضًا. في الواقع، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي خلال العقد المقبل، و يمكن أن تُشكّل غرينلاند قاعدة اقتصادية قيّمة لها فضلاً عن كونها مكسباً سياسياً هاماً.
انسحبت الولايات المتحدة من موقفها العسكري بعد أن لمست جدية حلفائها الأوروبيين تجاه غرينلاند، لكن هذا لا يعني أنها لا تسعى إلى توسيع وجودها العسكري في هذه المنطقة، بل تبحث عن آلية تمكنها من الاستحواذ على هذه المنطقة الاستراتيجية بأقل تكلفة ممكنة.
وفي هذا السياق، زادت الولايات المتحدة من ضغوطها على أوروبا ولا تُولي عملياً اهتماماً يُذكر لسلطة صنع القرار في أوروبا والحكومة الدنماركية، مما يُؤكد مجدداً أن أوروبا في النظام ما بعد عام 2030، ليست حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، وأن التحالف معها ليس إلا وسيلة لضمان مصالح أمريكا التكتيكية قصيرة الأجل في النظام الدولي المتغير. ولذلك، لا تخشى الولايات المتحدة تقويض السيادة الأوروبية بقراراتها.[3]
بشكل عام، يمكن القول إنّ السيناريوهات المستقبلية الأكثر ترجيحاً هي إمكانية إجراء استفتاء أو إبرام اتفاقيات خاصة مع الولايات المتحدة، حيث تستطيع الولايات المتحدة استخدام الأساليب الروسية للتأثير على الرأي العام وكسب تأييد الشعب. في الوقت نفسه، لن تقف الصين وروسيا مكتوفتي الأيدي، بل ستتعرض غرينلاند لوابل من الأخبار والمعلومات المضللة، ويبقى أن نرى من سيسيطر في نهاية المطاف على هذه المنطقة المحورية، وبأي استراتيجية وهي منطقة قد تصبح من أهم مناطق العالم في النظام العالمي ما بعد عام 2030.
أمين مهدوي
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال