فضيحة في الولايات المتحدة… وزلزال في بريطانيا! 14

فضيحة في الولايات المتحدة… وزلزال في بريطانيا!

تحوّلت قضية جيفري إبستين، التي عُرفت لسنوات في الرأي العام الغربي بوصفها فضيحة جنائية وأخلاقية في الولايات المتحدة، بعد الكشف عن أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق، إلى واحدة من أعقد وأعمق الأزمات السياسية والمؤسسية في عدد من الدول، ولا سيما بريطانيا. ولا تكمن أهمية هذه القضية في الطابع الفردي لجرائم إبستين، بل في شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية والاستخباراتية التي كشفتها وثائق وزارة العدل الأمريكية تدريجياً، وأظهرت حدود التداخل بين السلطة السياسية والمعلومات الحكومية الحساسة وشبكات النفوذ غير الرسمية في بريطانيا. ولم تعد القضية مجرد انعكاس لخطأ أخلاقي، بل أصبحت رمزاً لأزمة الشرعية، وضعف الرقابة المؤسسية، واستمرار تمتّع ذوي النفوذ بالحصانة داخل منظومة الحكم البريطانية.أدى نشر الوثائق القضائية ومراسلات إبستين إلى تسليط الضوء على أسماء شخصيات من مستويات عليا في السلطة السياسية في دول مختلفة.


وفي بريطانيا تركزت التسريبات بشكل خاص على اللورد بيتر ماندلسون، السياسي المخضرم في حزب العمال، الذي شغل مناصب رئيسية في حكومات سابقة، وكان قد عُيّن مؤخراً، بقرار من رئيس الوزراء كير ستارمر، سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة. وتشير الوثائق المنشورة إلى أن علاقة ماندلسون بإبستين لم تكن عابر بل كانت علاقة مستمرة حتى بعد إدانة إبستين[1].


وما حوّل هذه العلاقة إلى أزمة حقيقية للحكومة البريطانية لم يكن مجرد ورود الأسماء في الوثائق، بل مضمون المراسلات وطبيعة المعلومات المتبادلة. فبحسب التقارير، تضمنت بعض المراسلات بين ماندلسون وإبستين نقاشات حول السياسات الاقتصادية، والأزمة المالية لعام 2008، وتقييمات استراتيجية للحكومة وسياسات محددة—وهي معلومات تُعد عادةً من البيانات الحساسة، بل وقد تكون مصنّفة. ولهذا السبب باشرت الشرطة البريطانية تحقيقات رسمية بشأن احتمال إساءة استخدام الموقع السياسي من قبل بعض المسؤولين،وهي لحظة تحوّل انتقلت فيها القضية من فضيحة إعلامية إلى أزمة مؤسسية وأمنية[2].


وسرعان ما طالت التداعيات السياسية لهذه التسريبات قيادة الحكومة والحزب. ورغم أن رئيس الوزراء ستارمر لم تكن له علاقة مباشرة بإبستين، فإن قراره تعيين ماندلسون سفيراً أصبح يُنظر إليه الآن بوصفه دليلاً على ضعف التقدير السياسي وقصور آليات التقييم الأمني. ومع اتساع دائرة التسريبات فقدت الدفاعات الأولية عن هذا القرار مصداقيتها، وواجهت الحكومة انتقادات حادة من المعارضة وحتى من داخل حزب العمال. وتدرّج المشهد السياسي نحو ما يمكن وصفه بمأزق الشرعية حيث لم يعد على الحكومة أن تبرر أفعالها فحسب بل أن تشرح أيضاً قدرتها المؤسسية على تشخيص المخاطر وحماية المصلحة العامة.[3]


وقد زادت استقالة مورغان ماكسويني رئيس مكتب رئيس الوزراء، من حدة الشعور بأن الحكومة تواجه أزمة شرعية إذ عُدّت مؤشراً على ضعف التماسك داخل النواة التنفيذية. وفسّرت وسائل الإعلام والرأي العام هذه الاستقالة بوصفها اعترافاً ضمنياً بوجود خطأ على مستوى صنع القرار. ومنذ تلك اللحظة لم تعد الأزمة مقتصرة على شخص ماندلسون، بل تحولت إلى سؤال جوهري حول جودة القيادة السياسية ومستوى المساءلة المؤسسية داخل الحزب، ولا سيما لدى رئيس الوزراء[4].


وفي مثل هذا المناخ تراجعت قدرة الحكومة على الحوكمة بصورة ملموسة، إذ استُهلك قدر كبير من طاقتها السياسية في إدارة الأزمة والرد الإعلامي والتعامل مع البرلمان والهيئات الرقابية، ما قلّص قدرتها على دفع السياسات المعتادة قدماً، مثل البرامج الاقتصادية والصحية والاجتماعية والخطط الاستراتيجية. وهكذا أظهرت قضية إبستين كيف يمكن لأزمة شرعية أن تتحول إلى أزمة كفاءة تنفيذية تعرقل الأداء الحكومي اليومي.


أما على الصعيدين الأمني والاستخباراتي فكانت التداعيات أعمق وأكثر إثارة للقلق. فإذا كانت مراسلات تتضمن معلومات اقتصادية أو سياساتية حساسة قد نُقلت إلى شخص خارج البنية الرسمية للدولة، فإن ذلك يكشف عن ضعف في منظومة حماية المعلومات الحكومية. وحتى إن لم تكن تلك البيانات مصنفة" سريّة للغاية" فإن الوصول غير الرسمي إليها يظل تحدياً أمنياً للدولة.


وتُظهر هذه القضية أن تهديد الأمن القومي لا يشترط أن يأتي من خارج الحدود، بل قد ينشأ من داخل شبكات السلطة والعلاقات الشخصية للنخب. وقد ازدادت حساسية الأبعاد الأمنية مع تقارير عن فحص علاقات شخصيات بريطانية نافذة أخرى—مثل الأمير السابق أندرو—بإبستين. وهذه التكهنات، حتى قبل إثباتها قضائياً تعكس هشاشة هياكل الرقابة أمام شبكات النفوذ غير الرسمية. وفي مثل هذه الظروف يواجه الرأي العام سؤالاً أساسياً: هل يمتلك نظام الحكم فعلاً القدرة على ضبط السياسيين وأصحاب النفوذ؟[5]


جاء ردّ الحكومة على الأزمة مزيجاً من السعي إلى الشفافية ومراعاة الاعتبارات الأمنية. فقد أعلنت أن جزءاً من الوثائق أُحيل إلى الشرطة ولجان الرقابة البرلمانية لكنها شددت في الوقت نفسه على أن بعض المعلومات لا يمكن نشرها بالكامل لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو بالعلاقات الخارجية. وأصبح هذا التوتر بين الشفافية والأمن محوراً لانتقادات جديدة، وعزّز الانطباع بوجود حدود غامضة بين المساءلة الحقيقية وحماية أشخاص بعينهم.


وفي هذا السياق أدّى البرلمان والأحزاب السياسية دوراً حاسماً؛ إذ دفعت ضغوط المعارضة وتدخل اللجان الرقابية الحكومة إلى تقديم مزيد من التوضيحات. وأظهر ذلك أن قضية إبستين ارتقت من فضيحة فردية إلى ساحة صراع مؤسسي وحزبي، حيث استُخدمت ليس فقط للمنافسة السياسية، بل لإعادة تعريف حدود المساءلة والرقابة.


وبالفعل اغتنمت الأحزاب المنافسة الفرصة وسعت إلى إسقاط الحكومة أو على الأقل إضعافها سياسياً مستفيدة من تراجع شعبيتها، على أمل تقليص فرصها في الانتخابات المقبلة رغم استمرار ستارمر في مقاومة الضغوط.[6]


وفي الختام، يمكن القول إن قضية جيفري إبستين في بريطانيا تجسّد أزمة بنيوية في الحوكمة نابعة من تداخل السلطة السياسية مع شبكات النفوذ غير الرسمية وضعف الرقابة المؤسسية. وقد أظهرت أن حصانة النخب—حتى إن لم تُنص عليها القوانين—قد تُعاد إنتاجها عملياً وبنيوياً ما يفرغ الشرعية السياسية من مضمونها. إن أزمة الشرعية هنا ليست نتاج خطأ منفرد بل حصيلة تراكم إخفاقات في ضبط النفوذ غير الرسمي وضمان المساءلة الحقيقية.


ومن دون مراجعة جدية لآليات الرقابة والشفافية والحدّ العملي من وصول النخب إلى شبكات النفوذ غير الرسمية، ستغدو مثل هذه الأزمات نمطاً متكرراً في السياسة. وتشكل قضية إبستين لبريطانيا إنذاراً استراتيجياً مفاده أن تغلّب حصانة أصحاب النفوذ على المساءلة سيحوّل أزمة الشرعية من حالة مؤقتة إلى سمة دائمة في الحكم بما يؤدي تدريجياً إلى تآكل الثقة العامة وأسس الكفاءة السياسية مع ما يحمله ذلك من نتائج سلبية على مستقبل بريطانيا.



أمين مهدوي




لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال