462
لطالما اعتبرت الحكومة الروسية الجمهوريات المستقلة حديثًا من الاتحاد السوفيتي جزءًا من مجالها الاستراتيجي، وسعت جاهدةً للحفاظ على هذا المجال الحيوي. وقد مثّلت الحرب في أوكرانيا ضغطًا استراتيجيًا على هذا المجال الحيوي بالنسبة لروسيا، وتسعى موسكو للحفاظ على هذا المجال وبيئته بأي ثمن. في هذا السياق قامت الحكومة الروسية في خطوة محسوبة ومكلفة للغرب بنشر صواريخ أوريشنيك متوسطة المدى فرط الصوتية في بيلاروسيا. هذه الصواريخ الجاهزة للقتال قد تُحدث تغييرات كبيرة وواسعة النطاق في قواعد اللعبة مستقبلًا.
تخوض روسيا لعبة استراتيجية مع أوروبا. يتمثل النهج الروسي في ممارسة أقصى قدر من الضغط على أوروبا في المنطقة الرمادية، بحيث تزداد تكاليف الأطراف الأوروبية في الحرب في أوكرانيا على المدى الطويل. ينبغي اعتبار خطوة الحكومة الروسية بنشر صواريخ أوريشنيك في بيلاروسيا خطوة محسوبة تستند إلى خطاب القوة والتكلفة في روسيا. بهذا الإجراء تعزز روسيا عمقها الاستراتيجي لأن بيلاروسيا أقرب إلى أوروبا، ووفقًا لبعض التقديرات يمكن لهذه الصواريخ الوصول إلى برلين ولندن في أقل من 15 دقيقة. هذا يعني أن نظام الإنذار التابع لحلف الناتو غير قادر عمليًا على التعامل مع هذه الصواريخ. في الواقع أنجزت روسيا عدة مهام كبيرة بهذه الخطوة. أولها تعزيز عمقها الاستراتيجي على الحدود الشرقية لحلف الناتو[1].
بنشر هذه الصواريخ متوسطة المدى على الحدود البولندية، تُظهر روسيا قوتها الهجومية وتزيد من تكلفة تصعيد التوتر على العواصم الأوروبية. هذا يعني أن روسيا تمكنت من زيادة تكلفة الأوروبيين بخطوة منخفضة التكلفة. إضافةً إلى ذلك، سيكون عمق روسيا الاستراتيجي الآن أكبر من ذي قبل لأن أنظمة اعتراض الصواريخ التابعة لحلف الناتو غير قادرة حاليًا على التعامل مع هذه الصواريخ فرط الصوتية، مما يُلقي بظلال من عدم اليقين على أوروبا. من ناحية أخرى بالنسبة لروسيا تُعد هذه الصواريخ أداة ضغط فعالة وأداة هجوم سريع عند الحاجة. سيُجبر هذا التحرك الروسي الدول الأوروبية على مراجعة هياكلها الدفاعية والأمنية.
إضافةً إلى ذلك تتمتع صواريخ أوريشنيك بقدرة على اختراق أنظمة باتريوت الحالية، ولا تمتلك أنظمة الدفاع الأوروبية وحلف شمال الأطلسي حاليًا حلًا فعالًا لمواجهة هذه الصواريخ نظرًا لسرعتها التي تتجاوز 10 ماخ وقدرتها العالية على المناورة.
يمنح هذا روسيا ميزة تكتيكية تُمكنها من الضغط بسهولة على أوروبا، ويتعين على الجانبين الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تعزيز أنظمة الدفاع لمواجهة هذه الميزة. وهذا يعني زيادة الإنفاق في مجالات جديدة للدفاع في الغرب، مما سيؤدي إلى تكبيدهم تكاليف باهظة. ويُعد تكبيدهم هذه التكاليف أحد الأساليب التكتيكية التي تستخدمها القوى العظمى لإضعاف البنية الاقتصادية وصنع القرار لدى منافسيها وهو ما تستخدمه روسيا بالأدوات المتاحة لها[2].
تُعدّ مسألة استخدام روسيا لقدراتها الجغرافية في بيلاروسيا قضيةً بالغة الأهمية. في الواقع تسعى روسيا إلى تحويل نطاق أي صراع محتمل بعيدًا عن حدودها باتجاه حدود حلف الناتو. ولهذا السبب زوّدت بيلاروسيا بسلاح استراتيجي للضغط على الناتو. وتحديدًا تقع منطقة نشر الصواريخ على الحدود البرية لحلف الناتو وتحديدًا ممر سوفيتسكي حيث تستطيع روسيا بإغلاقه أن تطوق دول البلطيق تكتيكيًا وتزيد الضغط العسكري على الناتو. وبالتالي، تحاول روسيا زيادة التكاليف المختلفة التي يتكبدها الناتو من خلال استغلال الجغرافيا السياسية لحلفائها لإجبارهم على تقليص دعمهم لأوكرانيا.[3]
تجدر الإشارة إلى أن هدف روسيا هو إظهار جديتها في الالتزام بالخطوط الحمراء التي حددتها. في الواقع تُصعّد روسيا التوتر للسيطرة عليه ما يُمكّنها من دفع محادثات السلام بأقصى قدر من النقاط. ومن خلال تعزيز نفوذها في أوروبا تسعى روسيا إلى توسيع الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا. في الواقع ينبغي للحكومات الأوروبية أن تسأل نفسها: إلى أي مدى وإلى أي حد ترغب واشنطن في التفاوض مع روسيا من أجل مصالح أوروبا؟
يشير عدم ممارسة روسيا للضغط على الولايات المتحدة، وتركيزها على أوروبا إلى أن موسكو تلعب لعبة ذات وجهين، هدفها النهائي الحفاظ على نفوذها الحيوي وتحقيق أقصى استفادة من معاهدة السلام الخاصة بالحرب الأوكرانية.
وأخيرًا، لا بد من القول إن هذه لعبة تكتيكية خطيرة، قد تتحول إلى كارثة أو حرب عالمية إذا لم يفهم أطراف النزاع سلوك بعضهم البعض لا سيما مع سعي حلف الناتو لتعزيز أنظمته الدفاعية، ما يعني رده على روسيا، وربما اتخاذ روسيا خطوات أخرى عند الضرورة. كما أن غياب معاهدة للتحكم في إنتاج وبناء الأسلحة النووية متوسطة المدى، يُنذر باحتمالية سباق تسلح بين الطرفين، ما قد يزيد من تعقيد معضلة الأمن الأوروبي، ويُعيد إحياء أنماط الحرب الباردة في أوروبا، ويجعلها مرة أخرى دولة عسكرية بالكامل.
أمين مهدوي
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال