نهاية معاهدة «نيوستارت» وبداية عصر جديد من التنافس النووي 18

نهاية معاهدة «نيوستارت» وبداية عصر جديد من التنافس النووي

على مدى عقود وقّعت كلّ من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية اتفاقيات مختلفة للحدّ من التسلّح بوصفها وسيلة لإدارة التنافس وتقليل خطر الحرب النووية. وقد شكّل تصاعد أخطار الأسلحة النووية السمة الأكثر إثارة للقلق في تنافس الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إذ جرت على مدى عقود مفاوضات طويلة وأُبرمت سلسلة معاهدات «سالت» و«ستارت» بهدف تقليص الترسانات النووية الثنائية، إلى أن تُوِّج ذلك بإبرام معاهدة «نيوستارت» لخفض المخزون النووي. غير أنّ مرور الزمن وما تعدّه موسكو سلسلة إخلالات أمريكية بالالتزامات أدّيا إلى ظهور فجوات عميقة في العلاقات بين البلدين، فنحن اليوم نشهد انقضاء آخر معاهدة ثنائية للحد من الأسلحة النووية بينهما وعودة شبح سباق التسلّح النووي.


وقد أنهى هذا الإخلال الأمريكي فترةً من الاستقرار النسبي في نظام ضبط التسلّح العالمي، وأدخل العالم في مرحلة من عدم اليقين الاستراتيجي قد تحمل تهديدات للأمن الدولي. ومن الواضح اليوم أنّ عدم متابعة مفاوضات الحد من التسلح بجدية قد يدفع العالم نحو سباق تسلح جديد قد يكون، من حيث الخطورة المحتملة أشدّ من مرحلة الحرب الباردة.


وبعد انتهاء معاهدة «نيوستارت» في فبراير 2026 أُزيلت القوانين وبعض القيود المتعلقة بالترسانتين النوويتين لروسيا والولايات المتحدة. ورغم أنّ ذلك يعني من الناحية القانونية إمكان توسيع ترساناتهما الاستراتيجية، فإنه لا يعني بالضرورة حتمية سباق تسلّح لأن القيود القانونية زالت أما القيود العملية فليست بالضرورة كذلك.


وفي هذا السياق اقترحت روسيا أن يمدد الطرفان طوعاً شروط الاتفاق لمدة عام إلى حين تهيئة ظروف التفاوض حول معاهدة بديلة، غير أنّ هذا الاقتراح ـ بحسب موسكو ـ قوبل بغموض في الموقف الأمريكي ولم يصدر بشأنه رد رسمي واضح.[1]


وأعلن الكرملين أنّ روسيا مستعدة للحفاظ على نهج مسؤول وضبط النفس في ما يتعلق بالاستقرار الاستراتيجي في مجال الأسلحة النووية، شريطة حصولها على ضمان الالتزام الكامل من الولايات المتحدة.[2] ويُذكَر أنّ واشنطن كانت قد انسحبت عام 2018 من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF).[3] ويرى كثير من الخبراء أنّ نهاية «نيوستارت» قد تدفع الولايات المتحدة وروسيا إلى زيادة أسلحتهما النووية المنشورة كما قد تشجع قوى نووية أخرى مثل الصين على توسيع ترساناتها.[4]


وكان مسؤولون أمريكيون قد أعلنوا سابقاً أنّ الظروف العالمية تغيّرت وأن الأطر الثنائية السابقة لم تعد كافية لمواكبة الواقع الجديد ولا سيما نمو الترسانة النووية الصينية[5]. ومن الجدير بالذكر أنّ ترسانات بقية الدول النووية لم تكن مشمولة ضمن معاهدة «نيوستارت»، وهو ما يُعدّ عاملا مهماً في ضرورة التوصل إلى اتفاق بديل و أكثر شمولية.


ورغم أنّ غياب معاهدة بديلة قد ينقل التوازن الاستراتيجي إلى مجال الحسابات السياسية القائمة على منطق الكلفة والمنفعة والردع غير الرسمي، فإن القيود المالية ستلعب عملياً دوراً كابحاً؛ إذ إن تطوير ونشر وصيانة القوات النووية يتطلب تكاليف مالية وصناعية كبيرة ما قد يحد في النهاية من التوسع الفعلي للترسانات.


ولا تواجه الولايات المتحدة وحدها ضغوطاً مالية، بل إن روسيا أيضاً مطالبة بتخصيص موارد لقطاعات أخرى مثل القوات التقليدية والتكنولوجيات الحديثة والقضايا الداخلية. وفي الوقت الذي يعمل فيه البلدان على تحديث قواتهما الاستراتيجية، فإن قيود التكلفة والتكافؤ المالي بينهما تشير إلى أن حدوث سباق تسلّح يتضمن زيادة كبيرة في عدد الرؤوس النووية على المدى القصير أمر غير مرجّح. كما أنّ قرار زيادة الترسانات أو تثبيتها لا يخضع للاعتبارات التقنية والعسكرية وحدها، بل يتأثر أيضاً بالظروف الجيوسياسية؛ حيث يرتبط التوازن النووي أو ضبط التسلح بتقييم التهديدات المحيطة وبالأوضاع الدولية والعلاقات الثنائية ضمن بيئة أمنية أوسع.


وفي الختام، يرى محللون أن انتهاء «نيوستارت» قد يمهّد لارتفاع غير مسبوق في التوترات وتطوير برامج تسلّح جديدة حول العالم. ويبدو أنّ التوازن النووي الاستراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة سيدخل بعد انتهاء هذه المعاهدة مرحلة عالمية جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي بفعل تضارب الأولويات المالية والضغوط الاقتصادية والظروف الجيوسياسية والقيود العملية العالمية. فمع حرص الطرفين على الحفاظ على قدرتهما الردعية النووية، سيعملان في الوقت نفسه على ضبط عناصر أخرى، الأمر الذي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى نمط مختلف من سباق التسلح العالمي بمشاركة فاعلين جدد بما يغيّر التوازن النووي الدولي ويفتح عصراً جديداً من التنافس النووي.



نويد دانشور



لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال