وثائق تتجاوز العدالة! 662

وثائق تتجاوز العدالة!

لا يمكن تناول قضية جيفري إبستين بوصفها مجرد فضيحة أخلاقية أو ملفًا جنائيًا عاديًا؛ إذ تشكّلت منذ بدايتها عند نقطة التقاء النفوذ السياسي، والثروة المالية، وشبكات النخبة ذات التأثير، وآليات العمل المؤسسي. ولهذا تحوّلت قصة إبستين إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية والقانونية تعقيدًا في العالم المعاصر. وما جعلها تتجاوز إطار مجرم تقليدي لا يقتصر على طبيعة الجرائم المنسوبة إليه، بل يشمل أيضًا كيفية تعامل المؤسسات الرسمية معه، ومستوى مساءلة الجهاز القضائي، وشبكة العلاقات التي حالت لسنوات دون تطبيق عدالة فعّالة ومنصفة بحقه وبحق شركائه.


تعود جذور القصة إلى تسعينيات القرن الماضي، حين كان إبستين على تواصل مستمر مع سياسيين، ومستثمرين كبار، وأكاديميين نافذين، وشخصيات قريبة من مراكز السلطة. هذه العلاقات التي قُدّمت ظاهرًا في إطار أنشطة مالية وخيرية تحولت عمليًا إلى شبكة اتصال فعّالة خدمت مصالحه. ويمكن ملاحظة ذروة هذه الحصانة في الاتفاق المثير للجدل عام 2008، عندما توصّلت وزارة العدل الأمريكية إلى تسوية معه عُرفت بـ«اتفاق عدم الملاحقة الفدرالية»، وهو ما أنقذه من الملاحقة القانونية الكاملة وخفّض القضية إلى مستوى محدود وعلى نطاق الولاية. وتُظهر مراجعة الوثائق الرسمية لوزارة العدل أن هذا الاتفاق رغم وجود أدلة واسعة أغلق فعليًا مسار التحقيق الفدرالي بل ومنح حصانات محتملة لبعض المتورطين.[1]


وبعد سنوات، اضطرت وزارة العدل الأمريكية في تقرير رسمي إلى الإقرار بأن حقوق الضحايا لم تُحترم على النحو اللازم أثناء إبرام تلك التسوية، وأن أداء الادعاء آنذاك شابه قصور كبير. ويكشف هذا الاعتراف أن قضية إبستين لم تكن نتيجة خطأ قضائي بسيط، بل حصيلة تفاعل بين النفوذ السياسي والاعتبارات المؤسسية وتغليب الاستقرار الظاهري على كشف حقيقة مكلفة. وقد أدى هذا النهج إلى أن يفسّر الرأي العام القضية بوصفها نموذجًا لعدالة طبقية وحصانة تتمتع بها النخب المؤثرة.[2]


إلى جانب هذه الحصانة القضائية، كان من أكثر أبعاد القضية إثارة للجدل مسألة الوصول إلى المعلومات وإمكانية استخدامها للابتزاز السياسي. فبعد إعادة اعتقاله عام 2019، أعلن مكتب التحقيقات الفدرالي رسميًا مصادرة كمية كبيرة من الوثائق الرقمية والمعدات الإلكترونية والبيانات من ممتلكاته. ورغم أن الجهات الرسمية لم تثبت حتى الآن وجود شبكة ابتزاز مؤكدة، فإن نمط سلوك إبستين يُظهر تشابهًا واضحًا مع أساليب الاستغلال المعلوماتي المعروفة في أجهزة الاستخبارات؛ مثل دعوة شخصيات نافذة بشكل موجّه، والتحكم الكامل في البيئات الخاصة، والاحتفاظ ببيانات حساسة عن العلاقات الشخصية والسياسية لأشخاص ذوي نفوذ، بما يوحي بأنه سعى لاستخدام هذه المواد في ظروف معينة أو لتحقيق أهداف محددة.[3]


وفي هذا الإطار، حتى لو افترضنا أن هذه البيانات لم تُستخدم مباشرة، فإن مجرد وجودها كان يمكن أن يشكّل أداة ردع أو نفوذ أو حماية غير مباشرة. وقد أدّى هذا الغموض البنيوي إلى أن تواجه المطالب المتكررة من الكونغرس ووسائل الإعلام لنشر كامل الوثائق ردودًا حذرة وأحيانًا مبهمة من وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي، غالبًا بذريعة اعتبارات أمنية وحماية خصوصية الضحايا، الأمر الذي ساهم في استمرار تآكل الثقة العامة.[4]


بلغت أزمة الثقة ذروتها عام 2019 بعد وفاة إبستين داخل سجن فدرالي في نيويورك. إذ أعلنت وزارة العدل رسميًا أنه توفي أثناء الاحتجاز، وأن التحقيقات اللاحقة خلصت إلى أن الوفاة كانت انتحارًا. غير أن وجود ثغرات عديدة في نظام الرقابة داخل السجن، وتعطّل الكاميرات، وعدم تطبيق بروتوكولات الحماية بشكل كامل، كلها عوامل جعلت الرواية الرسمية محل تشكيك واسع. وبالنسبة لكثيرين لم تكن الوفاة نهاية للقضية بل مؤشرًا آخر على إغلاق الطريق أمام كشف الحقيقة كاملة.[5]


في الوقت ذاته، أخذت الأبعاد العابرة للحدود لشبكة علاقات إبستين تتكشف تدريجيًا. فقد ارتبط بشخصيات سياسية واقتصادية في بريطانيا وأوروبا وجنوب غرب آسيا ومناطق أخرى، ما أفرز تبعات دبلوماسية وسياسية ملحوظة. وتشير تقارير إعلامية معتبرة إلى أن نشر الوثائق المرتبطة بهذه العلاقات قد يعرّض حكومات ومؤسسات سياسية في دول مختلفة لضغوط الرأي العام وإعادة تقييم سياساتها؛ مثل حالات السخط في السعودية، أو المخاوف داخل الولايات المتحدة وحتى احتمال اضطرابات سياسية في بريطانيا. ويُظهر هذا الامتداد الجغرافي أن قضية إبستين لم تكن محصورة في نظام قضائي بعينه، بل تعكس نمطًا عالميًا من تفاعلات النخب عبر الحدود الوطنية.[6]


ومن زاوية أمنية، دفع هذا النمط بعض المحللين إلى النظر إلى إبستين ليس بوصفه عميلًا رسميًا، بل كأصل معلوماتي محتمل. ورغم عدم وجود دليل رسمي منشور يثبت انتماءه إلى جهاز استخبارات فإن وصوله إلى أشخاص يمتلكون معلومات حساسة خلق وضعًا قابلًا للاستغلال المعلوماتي، وهو نمط تكرر في تاريخ الأنشطة الاستخبارية. كما تروج بعض الروايات غير المؤكدة لصلته بالموساد أو بأجهزة استخبارات روسية وتذهب أخرى إلى أنه تلقّى تدريبًا خاصًا، أو أنه حظي بدعم لوجستي مكّنه من الولوج إلى شبكات السلطة العالمية. ويُفسّر هذا السياق سبب استمرار اعتبار ملف إبستين غير مغلق، ولماذا تؤدي كل موجة جديدة من نشر الوثائق إلى إثارة أسئلة متجددة حول الشفافية والعدالة والمسألة المؤسسية[7].


وخلاصة القول إن قضية جيفري إبستين تتجاوز شخصه لتتعلق ببنيةٍ مؤسسية تسمح بوجود مثل هذه الحصانات. فقد أظهرت أن تلاقي السلطة والثروة والنفوذ يمكن، حتى في الأنظمة التي تدّعي سيادة القانون، أن يحرّف مسار العدالة ويقوّض ثقة الجمهور. ولهذا أصبح إبستين رمزًا لحصانة سياسية تتجاوز العدالة وتجسيدًا لتقاطع السياسة والمعلومات والفساد البنيوي وحماية النخب وتحذيرًا جادًا من هشاشة الشفافية أمام تركّز القوة.



أمين مهدوي


لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال